محمد جمال الدين القاسمي

6

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

حين قدم عليه أولئك النفر من مضر ، وهم مجتابو النمار ( أي من عريهم وفقرهم ) قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ حتى ختم الآية . ثم قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ [ الحشر : 18 ] . ثم حضهم على الصدقة فقال : تصدق رجل من ديناره . من درهمه . من صاع بره . من صاع تمره . وذكر تمام الحديث . وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة . وفيها : ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الآية . وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها أي من نفسها . يعني من جنسها ليكون بينهما ما يوجب التآلف والتضامّ . فإن الجنسية علة الضم . وقد أوضح هذا بقوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ الروم : 21 ] ، وَبَثَّ مِنْهُما أي نشر من تلك النفس وزوجها المخلوقة منها ، بطريق التوالد والتناسل . رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً أي كثيرة . وترك التصريح بها للاكتفاء بالوصف المذكور وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ تكرير للأمر وتذكير لبعض آخر من موجبات الامتثال به . فإن سؤال بعضهم بعضا باللّه تعالى بأن يقولوا : أسألك باللّه وأنشدك اللّه ، على سبيل الاستعطاف ، يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه . وتعليق الاتقاء بالاسم الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال بتربية المهابة وإدخال الروعة . ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته . و تَسائَلُونَ أصله تتساءلون . فطرحت إحدى التاءين تخفيفا . وقرئ بإدغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس . وقرئ تسألون ( من الثلاثيّ ) أي تسألون به غيركم . وقد فسر به القراءة الأولى والثانية . وحمل صيغة التفاعل على اعتبار الجمع . كما في قولك رأيت الهلال وتراءيناه - أفاده أبو السعود - وقوله تعالى وَالْأَرْحامَ قرأ حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور . والباقون بالنصب عطفا على الاسم الجليل . أي اتقوا اللّه والأرحام أن تقطعوها . فإن قطيعتها مما يجب أن يتقى . أو عطفا على محل الجار والمجرور . كقولك مررت بزيد وعمرا . وينصره قراءة تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ فإنهم كانوا يقرنونها في السؤال والمناشدة باللّه عز وجل .

--> حسن الوجه وإشراقه ) . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء . ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة ، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » .